الشيخ محمد هادي معرفة
29
تلخيص التمهيد
بمجموعته من كيفيّة الأداء والبيان والمحتوى جميعاً . كما أنّه لم يخصّ جانب فصاحته فحسب ، ليكون مقصوراً على العهد الأوّل ، حيث العرب في ازدهار الفصاحة والأدب ، على أنّ الفصاحة والبلاغة لم تختصّ بلغة دون أخرى ولا بامّة دون غيرها . لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأوّل وإن كان الإعجاز باقياً مع الخلود زعماً بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلًا على كونه معجزاً أبداً . هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطئ قالت : مناط التحدّي هو عجز بلغاء العرب في عصر المبعث ، وأمّا حجّة إعجازه فلا تخصّ عصراً دون عصر ، وتعمّ العرب والعجم ، وكان عجز البلغاء من العصر الأوّل ، وهم أصل الفصاحة برهاناً فاصلًا في قضية التحدّي . . . « 1 » قلت : ولعلّها في ذهابها هذا المذهب خشيت أن لو قلنا بأنّ التحدّي قائم ولا يزال ، أو سوف ينبري نائرة الكفر والإلحاد ، ممّن لا يقلّ عددهم في الناطقين بالضاد ، فيأتي بحديث مثله ، وبذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام ! لكنّها فلتطمئن أنّ هذا لن يقع ولن يكون ، لأنّ القرآن وُضع على أسلوب لا يدانيه كلام بشر البتة ، ولن يتمكّن أحد أن يجاريه لا تعبيراً وأداءً ولا سبكاً واسلوباً ، ما دام الإعجاز قائماً بمجموعة اللفظ والمعنى ، رفعة وشموخ في المحتوى ، وجمال وبهاء في اللفظ والتعبير ، فأيّ متكلم أو ناطق يمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة ، لم تسبق لها سابقة في البشرية وفي هكذا قالب جميل ! اللّهمّ إلّاأن يفضح نفسه . وفي التأريخ عِبَرٌ تؤثر عن أناس حاولوا معارضة القرآن ، لكنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم ، بل نزلوا إلى ضرب من السخف والتفاهة ، بادٍ عواره ، باقٍ عاره وشناره ، فمن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة فلينظر في تلك العِبَر ، ومن لم يستحِ
--> فللخطاب شمول من النواحي الثلاث : الأفراد الموجودين والأقوام الذين يأتون من بعد وأيّاً كانت حالتهم وعلى أيّ صفةٍ كانوا . ( 1 ) . الإعجاز البياني : ص 65 - 68 .